الشاعر إبراهيم ناجي (شاعر الأطلال)

لوليكي 16-05-2012 243 رد 101,900 مشاهدة
ل



**حياته ونشأته**

إبراهيم ناجي بن أحمد ناجي بن إبراهيم القصبجي إبراهيم ناجي شاعر مصري ولد في 31 ديسمبر عام 1898 م في حي شبرا في القاهرة, لأسرة القصبجي المعروفة بتجارة الخيوط المذهبة، عمل والده في شركة البرق (التلغراف)، وهي شركة إنجليزية، يوم كانت مصر تحت الهيمنة البريطانية، فأجاد اللغة الإنجليزية، وتمكن من الفرنسية والإيطالية، وكان شغوفاً بالمطالعة، وامتلك في بيته مكتبة حافلة بأمهات الكتب، فنشأ ابنه إبراهيم على حب المطالعة، وشجعه أبوه على القراءة، وكان يهدي إليه الكتب، فأتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية،وأمه هي السيدة بهية بنت مصطفى سعودي التي ينتهي نسبها إلى الحسين _رضي الله عنه_،وتمت بصلة قربى من جهة الأخوال إلى الشيخ عبدالله الشرقاوي .التحق في عام 1904 بمدرسة والدة محمد علي (روضة أطفال)، ثم انتقل إلى مدرسة باب الشعرية الابتدائية (1907 - 1911)، لينتقل بعد ذلك إلى المدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا حيث أتم مرحلة الدراسة بها محرزًا شهادة البكالوريا، وفي عام 1916 التحق بمدرسة الطب السلطانية (كلية الطب في جامعة القاهرة الآن).

**إبراهيم ناجي بعد التخرج**

تخرج ناجي في مدرسة الطب عام 1923 .وافتتح عيادة بميدان العتبة بالقاهرة، وكان يعامل مرضاه معاملة طيبة، وفي كثير من الحالات لا يأخذ منهم أجرة، بل يدفع لهم ثمن الدواء، ثم شغل عدة مناصب فقد عين طبيباً في وزارة المواصلات ، ثم في وزارة الصحة ، و بعدها عيّن مراقباً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.

وقد عاش في بلدته -أول حياته- المنصورة وفيها رأى جمال الطبيعة وجمال نهر النيل فغلب على شعره -شأن شعراء مدرسة أبولو-الاتجاه العاطفى . وأصيب بمرض السكر في بداية شبابه فتألم كثيرا لذلك وتوفي عام 1953.


**المصادر التي أخذ منها ناجي**

وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي و ابن الرومي و أبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي ، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي و بيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي.



**حياته الشعرية واتجاهاته الفنية**
(حكايته مع جماعة أبولو)

تفتحت موهبة إبراهيم ناجي الشعرية باكراً، فقد نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من العمر، وشجعه والده عليه، وفتح له خزائن مكتبته، وأهداه ديوان شوقي ثم ديوان حافظ وديوان الشريف الرضي، ومن شعره في الصبا قصيدة قالها وهو في الثالثة عشرة من عمره، عنوانها "على البحر"، وفيها يقول:

إني ذكرتك باكيا

والأفق مغبر الجبين

والشمس تبدو وهي

تغرب شبه دامعة العيون

والبحر مجنون العباب

يهيج ثائره جنوني

بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه و توماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية ، وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة .في شهر سبتمبر من عام 1932 صدر العدد الأول من مجلة جمعية أبولو، وكان رئيس تحريرها أحمد زكي أبو شادي، وقد اشترك إبراهيم ناجي مع أحمد زكي أبو شادي في إصدار المجلة، وفي العدد الثاني من المجلة تم الإعلان عن تأسيس جمعية أبولو الشعرية وفي 10 أكتوبر من نفس العام اجتمع لفيف من الأدباء في كرمة ابن هانئ، وفيهم إبراهيم ناجي، وانتخب أحمد شوقي رئيساً للجمعية، ولكنه توفي بعد أربعة أيام، فخلفه نائبه مطران خليل مطران، وكان إبراهيم ناجي من الأعضاء المؤسسين، وبعد أقل من عام جرت انتخابات جديدة في 22 سبتمبر عام 1933 وانتخب مطران رئيساً وأحمد محرم وإبراهيم ناجي وكيلين وأحمد زكي أبو شادي سكرتيراً.

هدفت هذه الجماعة إلى البعد عن الأغراض التقليدية للشعر والاتجاه للذاتية أي تعبير الشاعر عن مكنوناته بصورة اكثر عمقا كذلك الابتعاد عن أدب المناسبات والتحرر من الصنعة والتكلف، وعلى صفحات المجلة نشر إبراهيم ناجي معظم ما كتب من شعر وما ترجم، وكان من أشهر ما ترجمه قصيدة "البحيرة" للشاعر الفرنسي لامارتين وقصيدة "أغنية الريح الغربية" للشاعر الإنجليزي الرومنتيكي شيلي, وقد صدر من المجلة خمسة وعشرون عدداً من سبتمبر1932 إلى ديسمبر1934، ثم توقفت عن الصدور.
اشتهر ناجي بشعره الوجداني ورأس رابطة الأدباء في مصر في الأربعينيات من القرن العشرين وعرف عنه تأثره بالشاعر مطران خليل مطران وأحمد شوقي.



**الانتاج الشعري وهجوم طه حسين والعقاد**


كان أوّل ما صدر لإبراهيم ناجي هو ديوان (وراء الغمام) الذي نشرته له جماعة أبولو عام 1934، ويغلب عليه الحزن والتعبير عن الحب المحروم، ويضم بعض القصائد المترجمة.، وقُوبل هذا الديوان بهجومٍ قاسٍ من النقّاد, ولاسيّما طه حسين وعباس العقاد، فقد نقده طه حسين نقداً مرّاً في كتابه "حديث الأربعاء" واصفاً شعره بأنّه ذو جناحٍ ضعيفٍ لا يقدر على التحليق وفضل عليه الشاعر علي محمود طه الذي وصفه بأنه مهيأ ليكون جبّاراً في فنّه، أمّا العقاد فكان أكثر حدّة وعُنْفاً, فوصف شعر ناجي بالتصنع والمرض بل لم يكتف بهذا الوصف فاتّهم ناجي بسرقة الشعر.
ولعلّ هذا النقد القاسي الذي تعرّض له ناجي والذي كاد بسببه أن يهجر الشعر كان سبباً رئيسياً في قلّة الدواوين الشعريّة التي أصدرها في حياته, إذ لم يصدرْ له سوى ديوانٌ واحد بعد ذلك وهو ديوان "ليالي القاهرة" الذي صدر عام 1944 -مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة وطبع في مطبعة الفكرة - القاهرة 1950، ويقصد بليالي القاهرة ليالي الحرب العالمية الثانية، التي نشبت أواخر عام 1939 وهو يعبر فيها عن كراهيته للحرب التي حرمته من سهر الليالي ونشرت له دار المعارف بعد وفاته ديوانه الثالث: (الطائرالجريح) عام 1957، وفي سنة 1961 أصدرت وزارة الثقافة المصريّة "ديوان ناجي" وهو ديوان "شامل" ضمّ دواوين ناجي الثلاثة بالإضافة إلى بعض القصائد المتناثرة التي لم تَرِد في أيٍّ من الدواوين السابقة. وقد قام بجمعه كلٌّ من الدكتور أحمد هيكل ،أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم وقتها، والشاعرين; أحمد رامي وصالح جودت بالإضافة إلى شقيق الشاعر, محمد ناجي. ثم أصدرت دار العودة في بيروت عام 1986 ديوان إبراهيم ناجي، وقد ضم دواوينه الثلاثة، وبرغم الإنتاج الشعري القليل للشاعر مقارنة بمعاصريه، إلا أنه لم يكتف بالشعر فقط، فقد كانت له نشاطات في الترجمة، حيث قام ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان (أزهار الشر)، وترجم عن الإنجليزية رواية (الجريمة والعقاب) لديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية (الموت في إجازة)، كما نشر دراسة عن شكسبير، وقام بإصدار مجلة حكيم البيت ، وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما. لقد كان ناجي دائما محل انتقاد من آراء تعيب عليه قلة روح الإيمان والاعتماد على الله للعيش مطمئن النفس بدلاً من الشعور بالملل من الحياة والأحياء، وقد تميز الشاعر في رأي البعض بالنزعة الروحية الأشبه بالصوفية وتبرز في كثير من التعبيرات التي استخدمها مثل (جعلت النسيم زادالروحي) (أسكر نفسي) (صحا القلب منها). أما الشاعر نفسه فقد هجا كثيراً أولئك الذين يكلفون القراء الاطلاع على أشعارهم الضعيفة ممن يصفهم بعدم الموهبة.



**ناجي متهم بضعف الوطنية **

عاب الكثيرمن النقاد على ابراهيم ناجي أنه كان منصب تركيزه على الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر هي أغلب ما تركه للأجيال ، غير أن هناك رأي آخر يرى أن الشاعر من جهة لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة ولم يكن يهتم بحفظ شعره الذي ألقاه في العديد من المناسبات والدليل على هذا كشف الأستاذ حسن توفيق للعديد من القصائد المجهولة للشاعر بإصدار الأعمال الشعرية الكاملة ، ومن جهةأ خرى فهناك العديد من القصائد التي تبرهن على حبه لأمته العربية ، ومن الفريق الأول الدكتور والأديب محمد مندور بقوله "قد أوشك معظم شعره أن يصبح قصيدة غرام متصلةٍ وإن تعدّدت أحداثها وتنوّعت أنغامها"، ومن الفريق الثاني الدكتور طه وادي الذي رأى بأن قصيدة "ليالي القاهرة" نوعٍ الغَزِل العجيب لحبٍّ آخر وحبيبةٍ أخرى, وأنّه غزلٌ في حبّ مصر, وحسرةٌ على ما أُصيبتْ به من عدم القدرة على قهر أعدائها، كذا الأستاذ الناقد مصطفى يعقوب عبد النبي والذي برر الأمر بكثرة القصائد المجهولة لناجي. ومنها قصيدة بعنوان "المجد الحي" ضمن كتاب "أدب العروبة" الذي أصدرته جماعة أدباء العروبة وهي جماعة أدبية ترأسها الوزير إبراهيم الدسوقي أباظة.


** طرائفه **


كل الشعب المصري والعربي عرف ناجي بعد غناء الراحلة العظيمة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم لرائعته الأطلال، وعرفه الناس شاعر رومانسي الهوى والبعض بحث بعدها عن ديوانه والبعض اكتفى بالقصيدة .لكن الغالبية العظمى حتى من محبيه لا يعرفون أن ناجي كان أحد ظرفاء عصرنا وهذا قليل من كثير من نبع ناجي.

تقليد أعمى:
رأى ابراهيم ناجي فقيها ضريراً يمسك بيده مسبحة كهرمان ويغني طقاطيق منيرة المهدية:
فقال ناجي: الراجل ده بيقلد (منيرة المهدية) تقليد (أعمى)

إنت مش ناوي تروّح ؟:
كان ناجي مدعواً في حفلة وكان معه صديق أسود فلما طالت الحفلة أراد الذهاب لكن صاحب الحفلة طلب منه أن يبقى إلى طلوع النهار فالتفت ناجي إلى صديقه الأسود وقال:
إنت يا أخي مش ناوي تروّّح علشان النهار يطلع!

هاتوه قبل ما يفوق:
دُعِيَ ناجي إلى حفل عقد قران أحد أصدقائه وبينما كان المدعوون جالسين مع المأذون بانتظار العريس دخل أحدهم وقال:
- العريس واقف بره .
- فرد ناجي على الفور: الحقوا هاتوه قبل ما يفوق.

الكلب الجاهل:
كان ناجي يحمل تصريحاً بالتجول في القاهرة ليلاً بعد حريقها المشهور وذات ليلة وهو يتجول سار وراءه كلب ضال وحاول ناجي إبعاده دون فائدة فظن ناجي أنه كلب بوليسي وأخرج له التصريح من جيبه لكن الكلب هجم عليه وعضه.
فقال ناجي: إخصي عليك.. أتاريك كلب جاهل ما بتعرفش تقرا

تكتيك
إتصل أحد الشعراء بالدكتور ناجي وكان لم يره منذ مدة وأنشده موال:
- يا حلو مالك كدا هاجر وروحي فيك
فرد عليه ناجي على الفور يكمل المقطع قائلاً:
- التقل شرعه كدا والحشمة والتكتيك.

أديب الدكاتره:
ذات مرة نقد الدكتور طه حسين الشاعر إبراهيم ناجي فقال:
- إنه طبيب الأدباء وأديب الأطباء.
فعلّق ناجي على هذا النقد القاسي بروحه المرحة قائلاً:
- أنا من هنا ورايح هكون طول النهار مع (الدكتور طه حسين) و(الدكتور طه بدوي) علشان أحس إنني أديب هو مش قال إنني أديب بين الدكاترة.




**وفاته**

وبعد صدور ديوانه الأول سافر في شهر يونيو مع أخيه إلى تولوز في فرنسا، ليساعد أخيه على الانتساب إلى إحدى الكليات هناك، ومنها سافر إلى لندن لحضور مؤتمر طبي، وفي لندن قرأ النقد الحاد الذي كتبه طه حسين عن ديوانه الأول، كما قرأ هجوم العقاد عليه،فشعر بخيبة كبيرة، وبينما كان يجتاز أحد الشوارع، صدمته سيارة، فنقل إلى مستشفى سانجورج، ولبث فيه مدة، فقد دخل رأس عظمة الساق في فتحة الحوض فهشمته، وكان يعاني بالإضافة إلى ذلك من داء السكري، ورجع إلى مصر يائسا من الشعر والأصدقاء، وأخذ يكتب قصائد الهجاء في هذا وذاك، بل أخذ يترجم ويكتب القصص، فكتب قصة "مدينة الأحلام"،تحدث فيها عن حبه الطفولي الأول، ونشرها مع قصص أخرى مؤلفة ومترجمة في كتاب يحمل العنوان نفسه، قال في مقدمته: "وداعاً أيها الشعر، وداعاً أيها الفن، وداعاً أيها الفكر". ثم نقل الشاعر إلى وزارة الأوقاف، حيث عيّن رئيس القسم الطبي، فاطمأنت نفسه، لما وجد فيها من تقدير وتكريم، وقد عاصر ثلاثة وزراء كانوا يقدرون الشعروالشاعر، وهم عبد الهادي الجندي وإبراهيم الدسوقي أباظة وعبد الحميد عبد الحق وفي هذه المرحلة أخذ يمدح كل من له يد العون وكان من أبرز من مدحهم إبراهيم الدسوقي أباظة وزير الأوقاف، وقد جمع كل ما قاله في مدحه من شعر تحت عنوان: "الإبراهيميات" وضمنه ديوانه الثاني "ليالي القاهرة" لكنه أخرج من وظيفته عام 1952، ولم يكن يدخرشيئا فعاش في ضنك وتنكر له أقرب الناس إليه، بمن فيهم زوجته، وأخذ ينغمس في السهر، وفي هذه المرحلة تعرف إلى الممثلة زازا وأحبها ، ونظم فيها قصيدة مطولة باسمها مصوراً إياها بالربيع الذي حل على خريف حياته كان ناجي يهمل صحته، ولا يأخذ العلاج، وقد ألح عليه داء السكري، إلى أن وافاه الأجل في 24 مارس 1953 عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، ودفن إلى جوار جده لأمه الشيخ عبد الله الشرقاوي، في مسجده بجوار الحسين.



**إبراهيم ناجي في أذهان الأدباء والنقاد**

لقبه الشعراء من أبناء جيله بشاعر الأطلال نسبة للملحمة الكبيرة المعنونة بهذا العنوان.

* الدكتورة نعمات أحمد فؤاد: "كان ناجي سريع الانفعال كثير الأوهام قلق الظنون طاغي الحس رفاف النفس هفاف المشاعر، وكلها عوامل تظهر أثرها في صاحبها في كل ما يصدر عنه" . الأمير عبد الله الفيصل: " يعد ناجي من ابرز الشعراء الذين أقرأ لهم واحبهم " .

*الناقد مصطفى يعقوب عبد النبي " على الرغم من أنّ جماعة "أبوللّو" والتي تعدّ من أبرز الظواهر الأدبية في تاريخ الأدب العربي المعاصر, قد ضمّت عشرات الأسماء من الشعراء العرب, إلاّ أن إبراهيم ناجي يقف في مقدّمة تلك الأسماء

*الناقد الشهير مصطفى عبد اللطيف السحرتي:" كان ناجي ظاهرةً شعريّةً فريدةً, بهرت بيئتنا الأدبية في مطلع الثّلْث الثاني من هذا القرن, شاعريّةً مجدّدةً نفرت من القوالب القديمة; شاعريّة غنائيّة وجدانيّة مبدعة" .

*الدكتور محمد مندور في معرض تعليقه على قصيدة ناجي الشهيرة "العودة" حيث يقول: "هذه القصيدة التي أَحسبها من روائع النّغم في الشّعر العربيّ الحديث, على الرغم من كونها تندرج تحت فن عربيّ قديم, وهو فن بكاء الديار. ومع ذلك امتازت بالجدة والجمال

*الدكتور شوقي ضيف الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية : " كلّ شعر ناجي رومانسيٌّ خالًصٌ, وأخرج الشعر من باب الرؤيةِ والخيال إلى باب الحقيقة والتجربة الواقعة".


صدرت عن الشاعر إبراهيم ناجي بعد رحيله عدة دراسات مهمة، منها: إبراهيم ناجي للشاعر صالح جودت ، و ناجي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كما كتبت عنه العديد من الرسائل العلمية بالجامعات المصرية .



***المصادر***:


ديوان العرب

ويكيبيديا


معجم البابطين

موقع الأديب عبد الله الطائي
ل
قصائد الديوان الأول ((( وراء الغمام - 1934م )))
الطبعة الثالثة -دار الشروق - القاهرة
(1417 هـ - 1996 م)


-وقد ضم الديوان قصائد ومقطوعات شعرية تدور بمعظمها حول الحب والجمال، وفيها تصوير لشتّى الحالات التي يمرّ بها العشاق من وصال وفرح ولوعة.


*** المـــــــــــــــآب ***


مناسبة القصيدة :

- رفيق من رفاق الصِّبا، رآه الناظم عليلا محمولاً بعد غربة طويلة.


**********


لِمَن العيونُ الفاتراتُ ذبولا ***** ومَنِ الخيالُ موسّداً محمولا

يا هم قلبي في صبا أيامه ***** وسهاد عيني في الليالي الأولى

عيناي كذّبتا وقلبي لم تدع ***** دقاتُه شكاً ولا تأويلا

يا أيها الملك العليل أفقْ تجد ***** مضناك بين العائدين عليلاً

يوم المآب كم انتظرتك باكياً ***** وبعثتُ أحلامي إليك رسولا

خاطبتُ عنك فما تركتُ مخاطباً ***** وسألتُ حتى لم أدْع مسؤولا

وغرقت في الأمل الجميل فلم أدع ***** متخَّيلاً عذباً ولا مأمولا

وبكيتُ من يأسي عليك فلم أذر ***** عند المحاجر مدمعاً مبذولا

وأسائل الزمن الخفّي لعله ***** يشفي أواماً أو يبل غليلاً

((يا أيها الزمن الذي أسراره ***** لا تستطيع لها العقول وصولا))

((بالله قل أوَما وراءك لحظة ***** جمعت خليلاً هاجراً وخليلا ؟))

هي لحظة ٌ وهي الحياة ومن يعش ***** من بعدها يجد الحياة فضولا

مرَّ الظلام وأنت ملء خواطري ***** ودنا الصباح ولم أزل مشغولا

وأتى النهار على فتى أمسى بما ***** حمل النهار من الشؤون ملولا

وكذا الحياةُ تملُّ إن هي أقفرت ***** ممن يهوّن عِبئها المحمولا

كدٌ على كدّ ولست ببالغ ***** إلا ضنى متتابعاً ونحولا

صدأُ الحوادثِ بدّل الاشراقَ في ***** فكري وكدّر خاطري المصقولا

وتتابعُ الأنواءِ في أفَق الصّبا ***** لم يُبقِ لي صحواً أراه جميلا

ذهب الصبا الغالي وزالت دوحةٌ ***** مدت لنا ظلَ الوفاء ظليلا

أيام يخذلني أمامك منطقي ***** فإذا سكتُّ فكل شيءٍ قيلا!

ويثور بي حُبي فإنْ لفظٌ جرى ***** بفمي تعثر بالشفاه خجولا

يا مَن نزلتُ بنبعهِ أردِ الهوى ***** فأذاقنيه محطماً ووبيلا

ما راعني ما ذقته وخشيت أن ***** ألقاك بالداء الدفين جهولا

فأشدّ ما عانى الفؤاد صبابةٌ ***** شبّتْ وظل دفينها مجهولا!

ل
***سَاعَةُ لِقَـاء***



يا حَبِيْبَ الرُّوْحِ يا رُوْحَ الأمانِي ***** لَسْتَ تَدْرِي عَطَشَ الرُّوْحِ إِلَيْكَا

وحَنِينِي في أَنِيْنٍ غَيْرِ فَاني ***** للرَّدَى أَشْرَبُهُ منْ مُقْلَتَيْكَا

***

آهِ مِنْ ساعةِ بَثٍّ وَشُجُونْ ***** َولَقَاءٍ لَمْ يَكُنْ لِي في حِسَابْ

وَحَدِيثٍ لَمْ يَدُرْ لِي فِي الظُّنُونْ ***** يا طَوِيْلَ الهَجْرِ يَا مُرَّ الغِيَابْ

***

حَلَّ يا سَاحِرُ صَفْوٌ وَسَلامْ ***** بَعْدَ فَتْكِ البَيْنِ بالقَلْبِ الغَرِيْبْ


وَدَنَا رَوْضٌ وَظِلٌّ ُ وَغَمَامْ ***** بَعْدَ فَتْكِ النَّارِ بالعُمْرِ الجَدِيْبْ !

***

مَرَّتِ السَّاعَةُ كَالحُلْمِ السَّعِيدْ ***** وَمَشَتْ نَشْوَتُهَا مَشْيَ الرَّحِيْقْ

ذَهَبَ العُمْرُ ، وَذَا عُمْرٌ جَدِيْدْ ***** عِشْتُهُ مِنْ فَمِكَ الحُلْوِ الرَّقِيْقْ !

***

مَرَّتِ السَّاعَةُ والليْلُ دَنَا ***** والهَوَى الصَّامِتُ يَغْـــــدُو وَيَــــرُوْحْ

وَتَلاشَتْ وَاخْتَفَتْ أجْسَادُنَا ***** وَاعْتَنَقْنَا في الدُّجَى رُوْحًا بِرُوْحْ

***

تَسْمَعُ الشِّعْرَ وَشِعْرِي مِنْكَ لَكْ ***** وَبِإِلْهامِكَ أَبْدَعْتُ الرَّوِيّ

أنْتَ يَا مُعْجِزَةَ الحُسْنِ مَلَكْ ***** كُلُّ لَفْظٍ مِنْكَ شِعْرٌ قُدُسِيّ

***

رَاجَعَتْنَا في جَلالٍ وَسُكُوتْ ***** وَتَوَالَتْ صُوَرُ الماضي الحَزِيْنْ

كَيْفَ يَبْلَى يا حَبِيْبِي أوْ يَمُوتْ ***** ما طَبَعْنَاهُ على قَلْبِ السِّنِيْنْ

***

كَيْفَ يَفْنَى ما كَتَبْنَاهُ بِنَارْ ***** وَخَطَطْنَاهُ بِسُهْدٍ وَدُمُوعْ

يَشْهَدُ الليْلُ عَلَيْهِ والنَّهَارْ ***** وَالشَّهِيْدُ المُتَوَارِي في الضُّلُوعْ

***

الْتَقَتْ أَرْواحُنَا في سَاحَةٍ ***** كَغَرِيْبَيْنِ اسْتَرَاحَا مِنْ سَفَرْ !

وَحَطَطْنَا رَحْلَنَا فِي وَاحَةٍ ***** زَادُنَا فيها الأمانِي والذِّكَرْ

***

وَتَسَاءَلْتَ عَنِ المَاضِي وَهَلْ ***** حَسُنَتْ دُنْيَايَ فِي غَيْرِ ظِلالِكْ ؟

يا حَبِيْبِي ! أَيْنَ أَمْضِي مِنْ خَجَلْ ***** وَفُؤَادِي أَيْنَ يَمْضِي مِنْ سُؤَالِك !؟

***

شدَّ ما يُخْجِلُنِي جهْدُ الْمُقِلْ ***** مِنْ شَبَابٍ ضَاعَ أَوْ مِنْ نُوْرِ عَيْنِ

يَتَمَشَّى السُّقْمُ في قَلْبِ الأَجَلْ ***** وَأَرَاني لَكَ مَا وَفَّيْتُ دَيْنِي

***

أنَا شَادِيْكَ وَلَحْنِي لَكَ وَحْدَكْ ***** فَاقْضِ مَا تَرْضَاهُ في يومي وأمْسِي

دَرَجَ الدَّهْرُ وَمَا أذْكُرُ بَعْدَكْ ***** غَيْرَ أيَّامِكَ يا تَوْأَمَ نَفْسِي !

***

وأنا الطَّائِرُ ! قَلْبِي مَا صَبَا ***** لِسِوَى غُصْنِكَ والوَكْرِ الْقَدِيْمْ

ما تَبَدَّلْنَا وَلا حَالُ الصِّبا ***** والهَوَى الطَّاهِرُ والوُدُّ الكَرِيْمْ !

***

لمْ تَزَلْ ذِكْرَاهُ مِنْ بَالِي وَبَالِكْ ***** كَيْفَ يَنْسَى القَلْبُ أحْلامَ صِبَاهْ ؟

قدْ صَحَتْ عَيْنِي على فَجْرِ جَمَالِكْ ***** كَيْفَ يُنسَى الفَجْرُ يا فَجْرَ الحَيَاةْ ؟!



ل
تابع لقصيدة ساعة لقاء (قصة حول تلحينها)

* هذه الرائعة من أوليات قصائد الشاعر الكبير إبراهيم ناجي ، وصدرت في ديوانه الأول " وراء الغمام " ( أبريل ـ نيسان 1934 م ) ، وقد أعيد طبع الأعمال الكاملة للشاعر الكبير عدة مرّات ، وقد نال الشاعر بشير عياد شرف أن يكون مسؤولاً عن أحدث طبعة منها والتي صدرت من خلال سلسلة " أدباء القرن العشرين " ( الهيئة المصرية العامة للكتاب ) ، وقد صدر الديوان الأول " وراءَ الغمام في يناير 2008م ، وها هي " ساعة لقاء " كاملة بالضبط والتدقيق طبق الأصل من آخر طبعة للأعمال الكاملة.

* هذه القصيدة سبق وأن لحنها الأستاذ عبد الحميد بن ابراهيم (عازف الناي ضمن فرقة الإذاعة الوطنية في الستينيات) وأدتها المطربة فوزية صفاء وأذاعتها إذاعة المملكة المغربية على أمواجها تحت عنوان (ساعة لقاء) منذ أكثر من 25 سنة. وقبل أن يلحنها ويغنيها الموسيقار رياض السنباطي طلب الإذن كتابة من ملحنها كما جاء في الحديث الصحفي، الذي وللأمانة التاريخية أضع بعضه رهن إشارتكم في محاولة لمعرفة الوجه الآخر لقصيدة الدكتور إبراهيم ناجي.

*****

س_ هناك قصيدة سبق لك أن لحنتها واتصل بك حسب علمي الملحن الكبير رياض السنباطي ليطلب منك الإذن بإعادة تلحينها فما هي هذه القصيدة وكيف تم ذلك؟

ج_ عنوان القصيدة التي لحنتها قبل خمس وعشرين سنة هو "ساعة لقاء" من شعر الدكتور إبراهيم ناجي وأدتها المطربة فوزية صفاء والتي اكتشفتها كذلك. وتعاملت معها إلى جانب أسماء نسائية أخرى.
بالنسبة لقصيدة "ساعة لقاء" فهي أغنية صورت وعرضت في التلفزيون ونجحت نجاحا قياسيا. وقبل وفاة الرائد والملحن العملاق رياض السنباطي بعث لي برسالة خاصة يقول فيها: أود أن أعيد تلحين قصيدة "ساعة لقاء" فهل من الممكن ذلك؟ فأجبت برسالة أيضا قلت فيها إنه يشرفني أن هرما من مصر يطلب مني أن أوافق على إعادة تلحينها من طرفكم ووقعت الرسالة بالقبول. فأعاد رياض السنباطي تلحينها، وهنا اشكر أحد تلامذتي وهو الملحن جمال الأمجد الذي جاءني بنسخة من القطعة والتي تختلف عن إنتاجي، وهذا الاختلاف يسمح للمستمع بالقيام بمقارنة بين لحن كل من عبد الحميد بن إبراهيم ورياض السنباطي.


*****


* المصدر:-

منتدى سماعي

ل

*** العودة ***


هذه الكعبةُ كنّا طائفيها ***** والمصلّين صباحاً ومساءَ
كم سجدنا وعبدنا الحسنَ فيها ***** كيف باللّه رجعنا غرباء

***

دارُ أحلامي وحبّي لقيتْنا ***** في جمود مثلما تلقى الجديدْ
أنكرتْنا وهْي كانتْ إن رأتْنا ***** يضحك النورُ إلينا من بعيدْ

***

رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ ***** وأنا أهتف: يا قلبُ اتّئدْ
فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ ***** لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد !

***

لِمَ عُدنا؟ أَوَ لم نطوِ الغرامْ ***** وفرغنا من حنين وألمْ
ورضينا بسكون وسلامْ ***** وانتهينا لفراغ كالعدم؟!

***

أيها الوكرُ إذا طار الأليفْ ***** لا يرى الآخرُ معنًى للمساءْ
ويرى الأيام صُفراً كالخريفْ ***** نائحات كرياح الصَّحراء

***

آهِ مما صنع الدهرُ بنا ***** أَوَ هذا الطللُ العابس أنتَ !
والخيالُ المطرقُ الرأسِ أنا؟ ***** شدَّ ما بتْنا على الضنك وبتَّ !

***

أين ناديكَ وأين السمرُ ***** أين أهلوكَ بساطاً وندامى
كلّما أرسلتُ عيني تنظرُ ***** وثبَ الدمعُ إلى عيني وغاما

***

مَوْطِنُ الحسن ثوى فيه السأمْ ***** وسرتْ أنفاسُه في جوِّهِ
وأناخ الليلُ فيه وجثمْ ***** وجرَتْ أشباحُه في بهوهِ

***

والبِلى! أبصرتُه رأيَ العيانْ ***** ويداه تنسجان العنكبوتْ
صحتُ ! يا ويحكَ تبدو في مكانْ ***** كلُّ شيءٍ فيه حيٌّ لا يموتْ !

***

كلُّ شيءٍ من سرور وحَزَنْ ***** والليالي من بهيجٍ وشَجِي
وأنا أسمع أقدامَ الزمنْ ***** وخطى الوحدةِ فوق الدرجِ

***

رُكْنِيَ الحاني ومغنايَ الشفيقْ ***** وظلال الخلدِ للعاني الطليحْ
علم اللّه لقد طال الطريقْ ***** وأنا جئتكَ كيما أستريح

***

وعلى بابكَ أُلقي جعبتي ***** كغريب آب من وادي المِحنْ
فيكَ كفَّ الله عنّي غربتي ***** ورسا رَحْلي على أرض الوطن !

***

وطني أنتَ ولكنّي طريدْ ***** أبديُّ النفيِ في عالَم بؤسي !
فإذا عدتُ فللنجوى أعودْ ***** ثم أمضي بعدما أُفرغ كأسي !


ل
مناسبة القصيدة:

عاد الشاعر الى الديار فوجدها حزينة متغيرة فراح يتذكر ماضيه الجميل.

*****



**شرح أبيات من قصيدة العودة**



دارُ أحلامي وحبّي لقيتْنا ***** في جمود مثلما تلقى الجديدْ

- إن هذه الدار التي كانت مسرحا لأحلامي وحبي عندما عدت إليها استقبلتني بصمت وجمود كأنها تستقبل شخصا غريبا .

أنكرتْنا وهْي كانتْ إن رأتْنا ***** يضحك النورُ إلينا من بعيدْ

- لقد تجاهلتني هذه الدار التي كانت فيما مضى من الأيام تستقبلني بفرحة عارمة وأنوار مشرقة .

***

رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ ***** وأنا أهتف: يا قلبُ اتّئدْ

- عندئذ شعرت بالحزن والألم فكان قلبي يخفق كطائر مذبوح فخفت عليه فقلت له تمهل أيها القلب .

فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ ***** لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد !

- أجابتني دموع عيناي وذكريات الماضي المجروح بمرارة الواقع الحاضر وكل منهما يتمنى أنه لم يعد لهذه الدار .

***

لِمَ عُدنا؟ أَوَ لم نطوِ الغرامْ ***** وفرغنا من حنين وألمْ

- لماذا عدنا إلى هذه الدار التي مع الأيام نسيت حبنا وخلصنا مما كان من حنين إليها .

ورضينا بسكون وسلامْ ***** وانتهينا لفراغ كالعدم؟!

- لقد قبلنا هذا الواقع بسكونه وجموده إلى أن وصلنا إلى فرا مطبق مؤلم .

***

أيها الوكرُ إذا طار الأليفْ ***** لا يرى الآخرُ معنًى للمساءْ

- أيتها الدار لقد غادرك حبيبك وصاحبك الذي لم يشعر بعدك بلذة الحياة في هذا الفضاء المرحب .

ويرى الأيام صُفراً كالخريفْ ***** نائحات كرياح الصَّحراء

- فأصبح حزينا كئيبا وكذلك أصبحت أيامه أوراق خريف صفراء وتصدر عويلا كأنها رياح صحراء واسعة .

***

آهِ مما صنع الدهرُ بنا ***** أَوَ هذا الطللُ العابس أنتَ !

- إنني أتألم وأتوجع مما فعلته الأيام بنا لقد تبدلت أيتها الدار فأصبحت آثارا متبقية و كنت داراً عامرة .

والخيالُ المطرقُ الرأسِ أنا؟ ***** شدَّ ما بتْنا على الضنك وبتَّ !

- لقد انحنيت برأسي أنظر إلى الأرض وأتذكر كم من الأيام والليالي قضيتها معك في عيش صعب وفقر متقع صعب .

***

أين ناديكَ وأين السمرُ ***** أين أهلوكَ بساطاً وندامى

- أين تلك الأمسيات الجميلة التي نتسامر فيها مع الأحبة بسرور وفرح .

كلّما أرسلتُ عيني تنظرُ ***** وثبَ الدمعُ إلى عيني وغاما

- إنني كلما تذكرتها تمتلئ عيناي بالدموع إلى أن تصبح الرؤية ضعيفة عندي بسبب البكاء الشديد .

***

مَوْطِنُ الحسن ثوى فيه السأمْ ***** وسرتْ أنفاسُه في جوِّهِ

- إن هذه الدار كانت مسكنا للجمال والفرح والسعادة أما اليوم فقد وجدتها مكانا سيطر الضجر والملل عليه .

وأناخ الليلُ فيه وجثمْ ***** وجرَتْ أشباحُه في بهوهِ

- وأما الليل فقد جللها بظلمته ناشراً فيها الأشباح المخيفة المفزعة .

***

والبِلى! أبصرتُه رأيَ العيانْ ***** ويداه تنسجان العنكبوتْ

- أما الدمار والخراب فقد شاهدته بأم عيني في هذه الدار التي أصبحت موحشة يعشعش فيها العنكبوت .

صحتُ ! يا ويحكَ تبدو في مكانْ ***** كلُّ شيءٍ فيه حيٌّ لا يموتْ !

- عندئذ قلت مخففاً حزني وألمي : رفقاً أيها الشاعر فأنت في مكان كل من فيه وما فيه قد تغير .

***

كلُّ شيءٍ من سرور وحَزَنْ ***** والليالي من بهيجٍ وشَجِي

- إن كل شيء في هذه الدار قد تغير وتبدل فالفرح أصبح حزنا والابتهاج أصبح شجناً .

وأنا أسمع أقدامَ الزمنْ ***** وخطى الوحدةِ فوق الدرجِ

- إن الأيام والوحدة والفراغ كل منهم قد ترك في هذه الدار آثاراً وعلامات .

***

رُكْنِيَ الحاني ومغنايَ الشفيقْ ***** وظلال الخلدِ للعاني الطليحْ

- أيها البيت الحنون يا من كنت ملعبا لنا أيام الطفولة لقد كنت جنة الخلد لنا فيك نجد الراحة بعد التعب .

علم اللّه لقد طال الطريقْ ***** وأنا جئتكَ كيما أستريح

- لقد علم الله أن مشوار غربتي كانت طويلة فأتيتك بعد هذا الطريق الطويل كي أستريح .

*****
ل
** موضوع قصيدة العودة **


قصيدة العودة للشاعر إبراهيم ناجي، موضوعها قديم في الشعر العربي؛ فموضوعها هو بكاء الأطلال، ذلك الغرض الذي قال فيه الجاهليون أحلى شعرهم وتبعهم بعد ذلك شعراء العرب في العصور المتوالية.
وكان القدماء يبكون الأطلال في مقدمات قصائدهم، ويخلصون منه إلى التغزل في الحبيبة الراحلة، ووصف جمالها وتصوير الحزن لفراقها، ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ما شاء من أغراض المديح أو الفخر أو الوصف أو غير ذلك، أما عودة ناجي فهي بكائية مختلفة عن البكائيات المعروفة في الشعر القديم.
إن بكاء ناجي لأطلال حبيبته لم يجئ مقدمة لقصيدة تتعدد أغراضها وموضوعاتها، بل هو القصيدة كلها.
ولم يسلك ناجي مسلك القدماء في التغزل بمحاسن الحبيبة وذكر سواد العيون وحمرة الخدود، وجمال القدود، ولم يسر في تلك الطرق المعبدة المطروقة التي سار عليها أجيال من الشعراء قبله، لقد صور ناجي في قصيدته قصة حب غالها الزمن، وبدد واقعها، لكنها ظلت حية في قلب الشاعر تعذبه وتبكيه وتلوعه وتضنيه.

ولقد لخص الشاعر قصته في أول بيتين:

هذه الكعبةُ كنّا طائفيها والمصلّين صباحًا ومساءَ
كم سجدنا وعبدنا الحسنَ فيها كيف باللّه رجعنا غرباء

البدء والنهاية، والوصل الهجر، السعادة والشقاء، الأمن والغربة.

• ضمن الشاعر مطلع قصيدته (البيتين السابقين) كل هذه المعاني المتناقضة.

• وأخذ بعد ذلك يفصل الأحداث ويجتر المشاعر، ويعدد الصور.

• فهذه الكعبة هي دار أحلامه، وموطن حبه تلقاه اليوم في جمود وهمود، وعبوس، وتنكره كأن لم يكن بينه وبينها سابق ألفة وغابر مودة، وهي التي كانت من قبل تهش للقائه وتبش، وتسعد برؤيته وتضيء.

• هذه المفاجأة التي وجدها الشاعر من دار أحبته أذهلت عقله، وجرحت فؤاده، فرفرف القلب كالطائر المذبوح، وأخذ الشاعر يهدهده ويهدئه ويخاطبه: اتئد. فيتظاهر الدمع والماضي والقلب مظاهرة حزينة آسية رافضة (لم عدنا ليت أنا لم نعد).

• ويلتفت الشاعر إلى كعبته ودار أحبته فيسائلها عن الأليف الذي ترك عشه وماذا يصنع أليفه بعد ذلك.

• ويتوجع الشاعر بعد ذلك متعجبًا من المصير الذي آل إليه حبه، ومن الحال التي أصبحت عليها دار الأحبة،ويسأل عن ذلك الماضي الجميل الذي ذهب والأحلام الحلوة التي ضاعت.

• وكلما أجال الشاعر نظره في البيت أو حوله، انهمرت دموعه لما يرى من السأم والبلى والظلام والخراب في هذه الدار التي كانت موطنًا للحسن والحب والحياة.

• ويستحضر الشاعر صورة الماضي فيصيح متعجبًا فزعًا: كيف تمتد به البلى إلى هذا المكان، وذكريات ماضيه لا تزال حية في قلب الشاعر وتزلزل الأحزان كيانه، فيجثو ليخاطب ظله بحنو ورفق، معلنًا أنه ركنه ومغناه، وظله ومكان راحته قصده ليلقي على بابه حقائبه، ويستريح عنده من أسفاره وغربته ولينجو في رحابه من محنته.

• لقد كان هذا الطلل هو وطن الشاعر الذي إليه يأوي قلبه وفي رحابه تستريح نفسه، وعلى أرضه يحط رحاله، لكنه اليوم طريد، حكم عليه بالنفي الأبدي في عالم البؤس والشقاء فإذا عاد يومًا، فإنه يعود للنجوى، ووفاء للذكرى، ثم يرجع بعد سكب العبرات -عائدًا إلى عالم نفيه- معذب القلب محمل النفس بالحسرات، هذه هي عودة ناجي لدار حبه وكعبة قلبه ويا لها من عودة.

••• وحدة القصيدة :

• تحققت الوحدة العضوية في قصيدة (العودة) تحققًا تامًّا؛ فالقصيدة ذات موضوع واحد وتصور تجربة نفسية ناضجة، وتنمو القصيدة نموًّا متدرجًا من البداية للنهاية مستوعبة تفاصيل التجربة وجزئياتها.

• ويبدو أن حذف أبيات من القصيدة أو تغيير مكانها يخل ببنائها، ويشوه حسنها، فهي بناء متلاحم الأجزاء، لا تقوم على وحدة البيت، كما هو الحال في القصيدة التقليدية.

• وناجى واحد من الجيل الذي تلا العقاد وجيله، وأفاد ناجي وأصحابه من دعوات التجديد التي كانت مطروحة بصوت عال إبان العقود الأولى من القرن العشرين، وهو منتسب إلى جماعة أبوللو، والروح الرومانسي غالب على شعره، ولعل هذه القصيدة تدل بوضوح على ذلك.

• والوحدة العضوية -كما تعرف- ثمرة من ثمار التجديد في الشعر، وأثر من الآثار التي لحقت الشعر العربي بعد الاتصال بالثقافة الغربية الحديثة، ومحاولة الاهتداء بالشعر الغربي في كثير من النزعات التجديدية.

• ولقد وفق ناجي في المواءمة بين المضمون الذي ملأ به قصيدته والوسائل الفنية والتعبيرية والتصويرية التي استخدمها في هذه القصيدة، فأسهم ذلك في تجلية الوحدة العضوية وتأكيدها إلى حد كبير.

••• الصياغة الفنية:

لا شك في أن الجيل المتأخر من الشعراء -ناجي ورفاقه- انتقل بالشعر نقلة واسعة في مجالي التعبير والتصوير، ولقد اكتسبت اللغة في شعرهم رقة وعذوبة بقدر كبير، ويندر أن تجد في أكثر قصائدهم لفظًا صعبًا أو كلمة تحتاج في معرفة معناها إلى مراجعة المعاجم، ويحسب لهم أنهم يعبرون بالألفاظ الموحية التي تزيد المعنى اتساعًا وعمقًا، وتمتد ظلالها لتضيف إلى الشعر ثراءً إلى ثراءٍ.

• ودراسة قصيدة (العودة) تطلع القارئ على كثير من تفوق ناجي في استخدامه للغة استخدامًا مؤثرًا، وتقوده إلى ما يدل على قدرة الشاعر على الصياغة الفنية الرقيقة العذبة التي تشيع فيها ظلال الألفاظ وإيحاءتها، وتتعانق خلالها الصور والمجازات، وتؤدي الموسيقى الشعرية فيها دورًا لا يمكن إغفاله أو تجاهله.

• ويلاحظ أن الشاعر قد نوع في القافية فاستخدم قافية لكل بيتين، مع توحد القافية بين شطريهما، وقد وفر هذا التنوع للقصيدة ثراءً نغميًّا ضاعف من خفتها وعذوبتها، مع ما لكل قافية من أثر معنوي في الموضع الذي وردت فيه.

••• مواطن الجمال في القصيدة :

تأخذ قصيدة (العودة) مكانًا مرموقًا في ديوان الشعر العربي الحديث، ويعدها كثير من النقاد من أجمل الشعر وأصدقه وأرقه، ولقد حفلت القصيدة بكثير من ملامح الجمال في التعبير والتصوير، ومن ذلك:

• ذلك المطلع المهيب الذي يفتح نافذة على نفس الشاعر ويشير إلى صدق حبه وقيمة دار أحبته في نفسه، فهي كعبته التي كان يطوف بها ويتقرب إلى الحبيب عندها ويعشق في رحابها الحسن والجمال.
وإن كنا لا نوافق -بمقتضى الذوق الإسلامي- على أن تستخدم الكعبة المشرفة رمزًا في مثل هذه المواطن التي هي بالطبع لا تسمو إلى منزلة الكعبة ولا تكاد، والأمر كذلك في التعبير بالعبادة والسجود.

• المقابلة بين الحاضر الكئيب الذي صدم الشاعر عندما رأى دار الأحبة، والماضي السعيد الذي يعرفه الشاعر لهذه الدار. البيتان (3، 4).

• هذه المجازات المتراكبة التي تصور المعنوي في صورة المحسوس وتجسده ثم تشخصه وتثبت له صفات الأحياء؛ من الحركة والإحساس على نحو عجيب، فالنور يضحك، والدار تنكر،والقلب يرفرف، والدمع يجيب، والماضي يتكلم.
ويستمر الشاعر على هذا النحو في التصوير البديع، فيجسد البلى حتى يدعي أنه أبصره رأي العين، ويثبت له يدين تنسجان، ويجسد السأم، ويثبت له أنفاسًا، ويصور الليل جاثمًا، وأشباحه تجري، ويثبت للزمن أقدامًا يسمع وقعها وللوحدة خطى ... إلى غير ذلك من الصور النابضة بالحياة.

• الأساليب المتنوعة بين الاستفهام والتعجب والتوجع والنداء من مثل قوله: لم عدنا؟ – ليت أنا لم نعد - أيها الوكر - آه مما صنع الدهر بنا - أو هذا الطلل العابث أنت؟ - شد ما بتنا على الضنك وبت – أين ناديك؟ ... إلى آخر هذه الأساليب.

• الألفاظ الموحية التي نجح الشاعر في توظيفها للدلالة على تجربته النفسية الصادقة وتأمل هذه الألفاظ في مواقعها: الكعبة – المصلين – سجدنا - عبدنا - غرباء - جمود – يضحك النور – رفرف – اتئد - الجريح - الأليف - صفرًا – نائحات - الصحراء - الطلل العابث - الخيال المطرق الرأس – الضنك - وثب الدمع – السأم – الليل – أشباح البلى – العنكبوت – حي – ركني – الطليح – غريب – وادي المحن - وطن – طريد – أبدي النفي – عالم بؤسي- للنجوى أعود – أمضي – أفرغ.
وليس من العسير على المتذوق أن يهتدي إلى جمال هذه الإيحاءات ومقدار ما تضيفه من ثراء وغنى إلى المعنى الذي تدل عليه الألفاظ والعبارات.

• التشبيهات المبتكرة كما في قوله:
ويرى الأيام صفرًا كالخريف نائحات كرياح الصحراء

• الموسيقى العذبة الآسرة الناشئة عن تنوع القوافي وسهولتها ووقوعها في مواقعها.

هذا؛ ويمكن للمتذوق أن يهتدي إلى غير ما ذكر من مواطن الجمال في هذه القصيدة وفي غيرها. ويمكن أن يهتدي دارس إلى ما لم يهتد إليه غيره حسب قدرته على التعاطف مع النص وفك رموزه وإدراك أسرار الجمال فيه، وفوق كل ذي علم عليم.


*المصدر:

الدرس12 قصيدة (العودة) للشاعر إبراهيم ناجي من سلسلة الدُّروس المقرَّرة في إطار مادَّة دراسات في النصوص الأدبية الحديث.
ل
** تحليل لقصيدة (العودة ) وفـق المنهج البنيوي **


* دراسة لقصيدته العودة , التي قالها الشاعر في وصف دار محبوبته ,والتي يعدها النقاد من روائع الشعر المعاصر . يقول د. محمد مندور ( أحسبها من روائع النغم في الشعر الحديث).

إن النقد النّصي يدور على لغة النص كعنصر أساسي لتشكيله. و هذا النمط من النقد يستمد قواعده الأساسية من اللسانيات , و يبقى الشّكليّون الرّوس ثمّ البنيويّون هم المصدر الرئيس لنظريات النقد الصّوري و لشروحاته وتطبيقاته.
من هذا النقد سوف أسير في هذا التحليل وفق المنهج البنيوي الذي يجعل النص مادته ومساحته ,ثم (هو يربط النص برباط ممتد من العلاقات المتداخلة في النص)
وهذا كله في سبيل تفسير النص واستخراج دلالته.
ولكل منهجه في التحليل البنيوي , فبعضهم يميل لجعل دلالات القصيدة في نفسها فقط من واقع الدلالات اللغوية الموجودة فيها بعيدا عن الإطار الخارجي للقصيدة , ومنهم من يحاول إيجاد غور مصطلحات البنى ذات المعاني التي تحيط بالشاعر.
وأتصور أن كل هذه الطرق في سبيل تفسير مقصد القصيدة , وتوضيح دلالتها للقارئ , فلا ضير إن اتبعنا سبيلا مادام هناك استخراج لبنى أساسية للقصيدة نفسها , وكل ذلك وفق المنهج البنيوي.


**التحــليـل:


يمكننا عند التأمل في القصيدة أن نستخرج بنى قد ظهرت في هذا النص , فمثلا بنية القوة والضعف ظاهرة في النص, ويتجلى ذلك في تعبير الشاعر لحاله وحال دار حبيبته , حيث نرى كلمات تدل على الضعف الذي يعيشه الشاعر , وقوة الحب الذي سيطر عليه , مما جعله يعبر عن نفسه بعبارات تدل على ذلك , فإشارته لذاته كالذبيح , ولومه لنفسه على العودة لتلك الدار , التي لم يشاهد فيها حبيبته , بل ذكرته بالذكريات الجميلة التي زادت من حسرته وألمه دليل على ضعفه.
كما نجده يصف نفسه بالوحدة , والوحدة ضعف , والاجتماع قوة , كما نجد دموعه تعبير عن ضعفه البالغ الذي هو متنفسه الوحيد ووصفه لنفسه بالعاني والطليح ففيها الضعف جليا حيث أن المتعب والمرهق يحتاج إلى مساعدة , والمحتاج ضعيف.
ثم كل هذا الوصف لنفسه الدال على ضعفه يكمن وضوح السيطرة القوية العاطفية التي تملكها حبيبته , حيث استطاعت أن تسيطر على عواطفه وعلى ذاته , فكل هذا الوصف خاص بدار حبيبته فكيف بحبيبته نفسها , وهنا أيضا قوة مسيطرة.
إن بنية الضعف الذي يحملها الشاعر , وسيطرة القوة العاطفية من حبيبته عليه جعلته يرى الحياة بوجه آخر , فهل الموت يشاهد في جنبات الدار؟ ثم هل عدم وجود حبيبته في الدار أصبحت الحياة لا معنى لها ؟
إن ذلك يكشف لنا القوة التي تسيطر على الإنسان سيطرة كليه حيث يصبح لا يرى سوى ذلك الحبيب في هذه الحياة.
إن التصادم النفسي للشاعر مع فعله دليل على سيطرة قوى كامنة عليه وذلك حينما يصف الشاعر وصوله لدار حبيبته , حيث أنه حين عاد إلى الدار , بدأت مشاعره النفسية تعاتبه على المجيء لتلك الديار لأن هذه الديار لم تزده إلا لوعة وشوقا للحبيبة.
كما نجد بنية أخرى في النص وهي بنية الحزن , ويعبر ذلك بألفاظ كالليل الذي ثوى في موطن الحبيبة, والليل هو الظلام والظلام منبع الانغلاق وعدم الحرية , لأن انعدام الضوء فيه انحباس الحرية التي هي جالبة للحزن.
كما نجده أيضا يشبه الأيام بالخريف , والخريف رمز للألم والحزن , كما أيضا نجد هذا الحزن في ذكره للشجن والظلال والغربة والنجوى.
ولعل المتتبع لجل القصيدة يدرك أن الشاعر فيها قد غلب على نفسه الحزن , فتارة يعبر بالدمع وتارة بالذكريات التي وصفها بالجرح الذي هو مكمن الحزن والألم, ثم يعاتب الأيام التي أصبحت صفرا وليس لها معنى في حياته.
ثم نجده يصف نفسه بأنه طريد عن هذا الوطن , وقد أخذ هذا الوصف لنفسه تحت شدة الحزن وألمه.
ولعل المتتبع للقصيدة يلمح أيضا بنية أخرى وهي : التحول , وذلك حين ذكره لكلمات تدل على ذلك لعل من أبرزها : الخريف والجديد والأيام والطائر ,فكل هذه الكلمات تدل على التحول والتبدل,فالخريف فصل من فصول السنة التي تتحول فيه الأشجار عن طبيعتها , والأيام تتحول وتتبدل وتسير , كما أن الطائر لا يمكن أن يكون في مكان معين فهو غير ثابت متنقل دائما. فكأنه بهذه المعاني يريد أن يقول أن حال الدار تغيرت وتحولت وأصبحت كالعدم.
كما يصف نفسه بالخيال , والخيال متغير ومتحول , وكل هذا التحول لأن حبيبته لم تعد في هذا المكان ولم يجدها.
كما أن هناك بنية أخرى نلمحها في القصيدة وهي بنية :اليأس حيث أن مشاعر الشاعر في هذه القصيدة فيها شيء من دلالة يأس الشاعر من حاله مع حبيبته , فذكره الموت ووصفه بالأيام صفرا , دليل على أن الشاعر هنا يوحي بأن حبيبته لن ترجع معه , لأن الموت انقطاع وتفرق , فكما أنهم تفرقا فقد ذكر الموت لأنه يكمن في نفسه اليأس الذي قد جعله يربط الموت و حاله مع حبيبته , فكأنهما لن يرجعا أبدا مثل تفرق الموت.
يمكننا القول بأن بنية القوة والضعف قد سيطرت على القصيدة , فمحور القصيدة تدور حول ذلك الضعيف الذي يخضع للسلطة القوية عليه وهي حبيبته ,ويبدأ بوصف نفسه بأوصاف تعكس ذلك الضعف المسيطر عليه , والقوة الجامحة التي أهلكت شعوره وأبعاده النفسية.


***المصدر***:

منتدى ضفاف الإبداع
ل
*** الحنين ***



أمسي يعذبني ويضنيني ***** شوقٌ طغى طغيانَ مجنون

أين الشفاء ولمَ يعد بيدي ***** إلاَّ أضاليلٌ تداويني

أبغي الهدوء ولا هدوء وفي ***** صدري عبابٌ غير مأمون

يهتاج إن لَجَّ الحنين به ***** ويئن فيه أنينَ مطعون

ويظل يضرب في أضالعه ***** وكأنها قضبان مسجون

ويحَ الحنين وما يجرعني ***** من مُرِّه ويبيت يسقيني

ربيتُه طفلاً بذلتُ له ***** ما شاء من خفضٍ ومن لينِ

فاليوم لمّا اشتدّ ساعدُه ***** وربا كنوارِ البساتينِ

لَم يرضَ غير شبيبتي ودمي ***** زاداً يعيشُ به ويفنيني

كم ليلةٍ ليلاءَ لازمني ***** لا يرتضي خلاً له دوني

ألفي له همساً يخاطبني ***** وأرى له ظلاً يماشيني

متنفساً لهباً يهبُّ على ***** وجهي كأنفاسِ البراكينِ

ويضمُنا الليلُ العظيمُ وما ***** كالليلِ مأوى للمساكينِ
ل

*الشرح الاجمالي:

الأمس بما يحمل من احاسيس ومشاعر طيبة للمحبوب نظرا للفراق صارت شيئا يثقل عليه بل يعذبه ويشقيه حتي أجنه ولكن اين السلامة التي خرجت عن مقدوره غير بقايا يستشفي بها
فالشاعر يطلب الهدوء والاستقرار ولكن لاهدوء فقدره يموج بتقلبات لاتحمد عقباها ثورة وهياج اذا مازاد به الشوق والرغبة ويتألم ألم الطعين وتستمر هكذا بين ضلوعه وكأنها قضبان سجن بها قلبه.


*مظاهر الجمال:

استخدام أفعال المضارع [يعذبني-يضنيني-يئن-يظل-يضرب]للاستمرار والتجدد

أمسي يعذبني ويضنيني ......تعبير جميل يصور الماضي بإنسان يمارس ضغوط مرهقة على من يعذبه بها

شوق طغي طغيان مجنون ...... تعبير جميل يفد تأكيد التأثر ماأحدث الشوق

وفي صدري عباب غيرمأمون ...... استفهام انكاري غره الاستبعاد

ولم يعد بيدي ....... نفي للدلالة علي الحجة الملحة

أبغي الهدوء ...... عبير فيه تجسيد حيث صور الهدوء المعنوي بالمحسوس الذي يرجي ويطلب.

ويئن فيه أنين مطعون ...... استعارة مكنية حيث جعل القلب طعينا جريحا يتألم لجرحه

ويظل يضرب في أضالعه ...... يدل علي تجدد الآلآم واستمرارها

وكأنها قضبان مسجون ....... تشبيه ناقص حيث يصور الصدر للقلب كالسجين وضلوعه قضبان حددية
ل

*** النـاي المحــترق ***


- قصيدة الناى المحترق:
- أشعار دكتور إبراهيم ناجي
- تلحين مدحت عاصم
- غناء محرم فؤاد

**********

كم مرَّة يا حبيبي ***** والليل يغشي البرايا

أهيم وحدي وما في الــ ***** ــظلامِ شاكٍ سوايا

أصيِّرُ الدمعَ لحناً ***** وأجعَلُ الشعرَ نايا

وهل يلبّي حطام ***** أشعلته بجوايا

النارَ توغل فيه ***** والريحُ تذرو البقايا

ما أتعسَ الناي بين الـــ *****ــــمنى وبين المنايا

يشدو ويشدو حزيناً ***** مرجعاً شكوايا

مستعطفاً مَنْ طوينا ***** على هواه الطوايا

حتى يلوح خيالٌ ***** عرفته في صبايا

يدنو إلى وتدنو ***** من ثغره شفتايا

إذا بحلمي تلاشى***** واستيقظت عينايا

ورحت أصغي وأصغي ***** لَم أُلْفِ إلاَّ صدايا!



ل

*** المنسي ***



متى يرق الحظ يا قاسي ***** ويلتقي المنسيُّ والناسي!

متى! وهل من حيلةٍ في متى ***** وفي خيالاتٍ وأحداسِ؟

هدَّ قراري جريُها في دمي ***** وهمسُها في كر أنفاسي

وأنت مثل النجم في المنتأى ***** وفي السنا الخاطف كالماسِ

يرنو له الناسُ ويبغونه ***** وما يبالي النجمُ بالناسِ!

وأنت كأسُ الحسنِ لكننا ***** مثل حبابٍ حامَ بالكاس

طفا وقد قبّل أنْوارَها ***** ورفَّ مثل الطائر الحاسي!

وجفَّ أو ذاب على نورها ***** كما يذُوب الطلُّ بالآس!



ل

*** تحليل قبلة ***


ولما ألتقينا بعد نأي وغربة ***** شجيين فاضا من أسىً وحنينِ

تسائلني عيناك عن سالف الهوى ***** بقلبي وتستقضي قديم ديونِ

فقمت وقد ضجَّ الهوى في جوانحي ***** وأنَّ من الكتمان أيّ أنينِ

يبث فمي سرّ الهوى لمقبَّل ***** أجود له بالروح غير ضنين

إذا كنت في شك سلي القبلة التي ***** أذاعت من الأسرار كل دفين

مناجاة أشواق وتجديد موثق ***** وتبديد أوهام ٍ. وفض ظنون

وشكوى جوى قاس وسقمٍ مبرحٍ ***** وتسهيد أجفانٍ وصبر سنين!




ل

*** الحيـــــــــــــــــاة ***


جلستُ يوماً حين حلَّ المساءْ ***** وقد مضى يومي بلا مؤنسِ
أريح أقداماً وهتْ من عياءْ ***** وأرقب العالَم من مجلسي!

***

أرقبه! يا كَدّ هذا الرقيب ***** في طيّب الكون وفي باطلهْ
وما يبالي ذا الخضم العجيبْ ***** بناظر يرقب في ساحلهْ

***

سيان ما أجهل أو أعلم ***** من غامض الليل ولغز النهارْ
سيستمر المسرح الأعظم ***** روايةً طالت وأين الستار

***

عييتُ بالدنيا وأسرارها ***** وما احتيالي في صموت الرمالْ!
أنشد في رائع أنوارها ***** رشداً فما أغنم إلا الضلالْ !

***

أغمضت عيني دونها خائفاً ***** مبتغياً لي رحمة في الظلامْ
فصاح بي صائحها هاتفاً ***** كأنما يوقظني من منامْ:

***

أنت امرؤٌ ترزح تحت الضنى ***** لم يبق منك الدهر إلا عنادْ!
وكل ما تبصره من سنا ***** يهزأ بالجذوة خلف الرمادْ!

***

وكل ما تُبصره من قوى ***** تدوي دويّ الريح عند الهبوبْ
يسخر من مبتئس قد ثوى ***** يرنو إلى الدنيا بعين الغروبْ!

***

انظر إلى شتى معاني الجمالْ ***** منبثة في الأرض أو في السماءْ
ألا ترى في كل هذا الجلال ***** غير نذيرٍ طالعٍ بالفناءْ!

***

كم غادة بين الصبا والشبابْ ***** تأنقّ الصانع في صنعها
تخطر والأنظار تحدو الركاب ***** ولفظة الاعجاب في سمعها!

***

وربما سار إلى جنبها ***** مدّله ليس يبالي الرقيبْ
يمشي شديد العجب في قربها ***** إذا راح يوليها ذراع الحبيبْ!

***

وانظر إلى سيارة كالأجل ***** تخطف خطفاً لا تُبالي الزحامْ
هذا الردى الجاري اختراع الرجلْ ***** هل بعد صنع الموت شيءٌ يُرامْ!

***

وانظر إلى هذا القويّ الجسدْ ***** الباتر العزم الشديد الكفاحْ!
قد أقبل الليل فحيّ الجلد ***** في رجل يدأبُ منذ الصباحْ

***

أجبت: يا دنياي من تخدعين؟ ***** إني امرؤٌ ضاق بهذا الخداعْ
مزّقتِ عن عيشي, هنيّ السنين لأنني ***** مزقتُ عنكِ القناعْ !

***

إن الجمالَ الساحرَ الفاتنا ***** يا ويحه حين تغير الغضونْ
ويعبثُ الدهر بحلو الجنى ***** وتستر الصبغة إثم السنينْ!

***

وهذه السيارة العاتيهْ ***** وربما الجبار كالبرق سارْ
ما هي إلا شُعَلٌ فانيهْ ***** نصيبها مثل شعاع النهارْ!

***

وارحمتاه للقويِّ الصبورْ ***** يقضي الليالي في كفاحٍ سخيفْ
وكيف لا أبكي لكدح الفقيرْ **** أقصى مناه أن ينال الرغيفْ!

***

كم صِحتُ إذا أبصرت هذا الجهادْ ***** وميسم الذلة فوق الجباهْ
يا حسرتا ماذا يلاقي العبادْ ***** أكُلُّ هذا في سبيل الحياهْ؟!

***

وفي سبيل الزاد والمأكل ***** نملأ صدر الأرض إعوالا
كم يسخر النجم بنا مِن عل ***** وكم يرانا الله أطفالا!

***

يا ربِّ غفرانك إنا صِغارْ ***** ندبّ في الدنيا دبيبَ الغرورْ
نسحب في الأرض ذيولَ الصغارْ ***** والشيبُ تأديبٌ لنا والقبورْ!

ل


*** قلب راقصة ***


أمسيتُ أشكو الضيقَ والأينا ***** مستغرقاً في الفكرِ والسأمِ
فمضيتُ لا أدري إلى أينا ***** ومشيت حيث تجرّني قدمي

***

فرأيتُ فيما أبصَرَتْ عيني ***** مَلهيً أعدَّ ليبهج الناسا
يجلون فيه فرائدَ الحسنِ ***** ويباع فيه اللهو أجناسا

***

بغرائب الألوان مزدهر ***** وتراه بالأضواء مغموراً
فقصدته عَجِلاً ولي بصرٌ ***** شبه الفراشة يعشق النورَا!

***

ودخلتُه أجتازُ مزدحماً ***** بالخَلقِ أفواجاً وأفواجا
وأخوض بحراً بات ملتطماً ***** بالناس أمواجاً وأمواجا

***

فقدوا حجاهم حينما طربوا ***** ودووا دويّ البحر صخّابا
فإذا استقرّوا لحظةً صخبوا ***** لا يملكون النفس إعجابا

***

متوثبين يميل صفهم ***** متطلع الأعناق يتقدُ
ومصفقين عَلَتْ أكفهم ***** فوّارةً فكأنها الزبدُ!

***

لِمَ لا أثور اليومَ ثورتهم؟ ***** لِمَ لا أجربُ ما يحبونا؟
لِمَ لا أصيح اليوم صيحتهم ***** لِمَ لا أضجّ كما يضجونا؟!

***

لِمَ لا تذوق كؤوسهم شفتي؟ ***** إنَّ الحجا سمّي وتدميري
في ذمةِ الشيطانِ فلسفتي ***** ورزانتي ووقار تفكيري!

***

يا قلبُ! ضقتَ وها هنا سعةٌ ***** ومجالُ مصفودٍ بأغلال
أتقول أعمارٌ مضيعة؟! ***** ماذا صنعت بعمرك الغالي؟!

***

أنظر ترَ السيقان عاريةً ***** وترَ الخصورَ ضوامراً تغري
وتجدْ عيون اللهو جارية ***** فهنا الحياة! وأنت لا تدري

***

مَنْ هاتِه الحسناءُ يا عيني؟ ***** السحرُ كلَّلها وظلَّلها
كالطيرِ من غصنٍ إلى غصنِ ***** وثّابة، وثب الفؤاد لها!

***

تراه حسناً غيرَ كذابِ ***** لا ما يزيفه لك الضوءُ
ويزيد فتنتها باغرابِ ***** حزنٌ وراءَ الحسن مخبوءُ!

***

ثم اختفتْ والجمع يرقبها ***** ويلحّ: عودي! ليس يرحمها
هي متعةٌ للحسِّ يطلبها ***** وأنا بروحي بتُّ أفهمها!

***

ورأيتُها في آخر الليلِ ***** في فتيةٍ نصبوا لها شركا
يعلو سناها الحزنُ كالظل ***** مسكينة تتكلّف الضحكا

***

فمضيتُ توّاً، قلت: سيدتي! ***** زنتِ المراقص أيّما زين!
هل تأذنين الآن ساحرتي ***** تأكيدَ إعجابي بكأسين؟

***

فتمنّعت وأنا ألحّ سدىً ***** بالقول أُغريها وأَعتذر
فاستدركتْ. قالت: أراك غداً ***** ان شئتَ. إني اليوم أَعتذر

***

وتحوَّلت عني لرفقتها ***** ما بين منتظرٍ ومرتقب
فتَّانة تغري ببسمتها ***** وتحدّد الميعاد في أدب

***

حان اللقاءُ بغادتي وأنا ***** أخشى سراباً خادعاً منها
متلهفاً أستبطىء الزمنا ***** وأظل أسأل ساعتي عنها

***

وأجيل عين الريب ملتفتاً ***** متطلعاً للباب حيرانا
وأقول: ما يدريك أي فتى ***** هي في ذراعيْ حبه الآنا!

***

مَنْ ذا يُصدّقُ وعدَ فاتنة ***** لا ترحمُ الأرواح إتلافا
أنثى تلاقي كل آونةٍ ***** رجلاً وترمي الوعد آلافا

***

وهممت بعد اليأس أن أمضي***** فإذا بها تختال عن بُعد
ميّزتها بشبابها الغضِّ ***** وبقدِّها، أُفديه من قدِّ!

***

يا للقلوب لملتقى اثنين ***** لا يعلمان لأيّما سَبَبِ
جمعتهما الدنيا غريبين ***** فتآلفا في خلوة عَجَبِ

***

عجباً لقلب كان مطمعه ***** طَرَباً فجاء الأمرُ بالعكس
وأشدّ ما في الكون أجمعه ***** بين القلوب أواصرُ البؤس

***

مَن أنت يا مَن روحها اقتربت ***** مني وخاطب دمعها روحي
صبّته في كأسي! وما سكبتْ ***** فيه سوى أنَّاث مذبوحِ

***

عجباً لنا! في لحظة صرنا ***** متفاهمين بغير ما أمد!
يا مَن لقيتك أمس! هل كنا ***** روحين ممتزجين في الأبد؟!

***

هاتي حديثَ السقم والوصب ***** وصِفي حقارةَ هذه الدنيا
اني رأيت أساكِ عن كثبِ ***** ولمستُ كَربَك نابضاً حيَّا

***

لا تكتمي في الصدرِ أسرارا ***** وتحدثي كيف الأسى شاءَ
أنا لا أرى إثماً ولا عارا ****** لكن أرى امرأةً وبأساءَ

***

تجدين فكرك جدّ مبتعد ***** والناس نحو سناك دانونا
وتريْن حالك حال منفرد ***** والقوم كثر لا يُعدّونا!

***

وترين إنكِ حيثما كنتِ ***** ترضين خوّانين أنذالا!
يبغونه جسداً فإن بعتِ ***** بذلوا النضار وأجزلوا المالا!

***

يا حرَّها من عبرةٍ سالتْ ***** مِن فاتكِ العينين مكحولِ
وعذابها من وحشة طالتْ ***** وحنين مجهولٍ لمجهولِ

***

أفنيتِ عمرك في تطلبه ***** ويكاد يأكل روحَكِ المللُ
فإِذا بدا مَنْ تعجبين به ***** وتقول روحك: ها هو الأملُ!

***

أدميت قلبك في تقرّبه ***** والقلب إن يخلص يَهُنْ دمُه
فإِذا حسبتِ بأن ظفرتِ به ***** فازت به من ليس تفهمُه

***

سكتت وقد عجبت لخلوتنا ***** طالتْ كأنَّا جدّ عشاقِ
وأقول: يا طرباً لنشوتنا ***** صرعى المدامة والجوى الساقي!

***

أفديكِ باكيةً وجازعةً ***** قد لفّها في ثوبه الغسقُ
ودعتها شمساً مودّعة ***** ذهبت وعندي الجرحُ والشفقُ

***

تمضي، وتجهل كيف أكبرها ***** إذ تختفي في حالك الظلم
روحاً إذا أثمت يطهرها ***** ناران: نار الصبر والألَمِ!



ل


*** الميعـــــــــــــــاد ***


إن عُدتَ أو أخلفتَ لم تعدِ ***** أنا إِلف روحك آخر الأبدِ

ظمأٌ على ظمإِ على ظمأ ***** ومواردٌ كثرٌ ولم أردِ

مرَّ الظلاُم وأنت لي شجنٌ ***** وأتى النهارُ وأنت في خلدي

لا يسمع البحرُ الغضوب إلى ***** شاكٍ ولا يصغي إلى أحدِ!

كم لاح لي حربُ الحياة على ***** أمواجهِ المجنونة الزبدِ

ورأيت طيفَ الضنك مرتسما ***** في عاصفِ الأنواء مطَّردِ

في الليل مدَّ رواقه وثوى ****** كجوانحٍ طُويت على حسدِ

قبر مَباهجه بلا عددٍ ***** لفتى متاعبه بلا عددِ

مَن يومه يوم بلا أملٍ ***** وغدٌ بلا سلوى وبعد غدِ

لولاك والعهد الذي عقدت ***** بيني وبينك مهجتي ويدي

أضجعتُ جنبي جوفَ غيهبه ***** وأرحتُ فيه باليَ الجسدِ

يا مخلفَ الميعادِ عدْ لترى ***** جزعَ الغريب وضيعة الرشدِ

وليالياً موصولة سهراً ***** أبدية حجرية الكبدِ

وطليحَ أسفار وعلّته ***** قتالة لَم تشف في بلدِ!

يا شعر أيامي وأغنيتي ***** وغليل ظمآن الشفاه صدي!

يا ظالمي! عيناك كم وعدت ***** قلبي إذا شفتاك لَم تعدِ





ل


*** الميت الحي ***


مناسبة القصيدة :

- كان الشاعر مريضاً وشعر أنه ينتهي فكتب هذه القصيدة.


**********


داوِ ناري والتياعي ***** وتمهَّلْ في وداعي

يا حبيب العمر هبْ لي ***** بضع لحظاتٍ سراع

قفْ تأمل مغربَ العمر ***** وإخفاقَ الشعاع

وابكِ جبَّار الليالي ***** هدّه طول الصراع

واضياع الحزن والدمع ***** على العمر المضاع!

وهتاف القلب بالشكوى ***** على غير انتفاع

ما يهمّ الناس من نجم ***** على وشك الزماع

غاب من بعد طلوعٍ ***** وخبا بعد التماع؟!

طال بي سُهدي وإِعيائي ***** وقد حان اضطجاعي

وإذا الراحة حانت ***** بعد لأيٍ ونزاع

فصدور الغيد سيَّان ***** وأنياب السباعِ!

***

آهِ لو تقضي الليالي ***** لشتيت باجتماع

كم تمنيتُ وكم من ***** أملٍ مُرّ الخداع!

وقفة أقرأ فيها ***** لك أشعار الوداع

ساعة أغفر فيها ***** لك أجيال امتناع

يا مناجاتي وسرِّي ***** وخيالي وابتداعي

ومتاعاً لعيوني ***** وشميمي وسماعي

تبعث السلوى وتنسى ***** الموت مهتوك القناع:

دمعة الحزن التي ***** تسكبها فوق ذراعي!


ل

*** الوداع ***


- نجاة علي غنت في مارس 1954 أبياتاً من قصيدة " الوداع " من الديوان الأول لناجي " وراء الغمام " بألحان محمد فوزي ، وعند غناء أم كلثوم " الأطلال " وقع الاختيار على خمسة وعشرين بيتاً من القصيدة الأصلية ( قوامها 134 بيتاً ) ، وبداخلها سبعة أبيات من " الوداع " ، ويشاء القدر أن تكون منطقة الذروة في " الأطلال " المغناة هي : " هل رأى الحبُّ سُكارى مثلنا ؟؟ … " ، وهذا المقطع من " الوداع " التي غنتها نجاة علي !!


**********


حان حرماني وناداني النذيرْ ***** ما الذي أعدَدْتُ لي قبل المسيرْ

زمني ضاع وما أنصفتني ***** زاديَ الأول كالزاد الأخيرْ

ريّ عمري من أكاذيب المنى ***** وطعامي من عفاف وضميرْ

وعلى كفك قلبٌ ودمٌ ***** وعلى بابك قيدٌ وأسيرْ!

***

حانَ حرماني فدعني يا حبيبي ***** هذه الجنةُ ليستْ من نصيبي

آه من دار نعيم كلما ***** جئتها أجتاز جسراً من لهيبِ

وأنا إلفك في ظل الصِّبا ***** والشباب الغض والعمرِ القشيب

أنزل الربوة ضيفاً عابراً ***** ثم أمضي عنك كالطير الغريب


***

لِمَ يا هاجرُ أصبحتَ رحيما ***** والحنانُ الجمُّ والرقةُ فيما؟!

لِم تسقينيَ من شهدِ الرضا ***** وتلاقيني عطوفاً وكريما

كلُّ شيء صار مرّاً في فمي ***** بعدما أصبحتُ بالدنيا عليما

آه من يأخذُ عمري كلَّه ***** ويعيدْ الطفلَ والجهلَ القديما!


***

هل رأى الحبُّ سكارى مثلنا؟! ***** كم بنينا من خيالٍ حولنا!

ومشينا في طريق مقمرٍ ***** تثبُ الفرحةُ فيه قبلنا!

وتطلعنا إلى أنجمه ***** فتهاوين وأصبحنَ لنا!

وضحكنا ضحك طفلينِ معاً ***** وعدونا فسبقنا ظلنا!

***

وانتبهنا بعد ما زال الرحيق ***** وأفقنا. ليتَ أنا لا نفيقْ!

يقظةٌ طاحت بأحلامِ الكَرَى ***** وتولّى الليلُ، واللَّيْلُ صَدِيقْ

وإذا النُّورُ نَذِيرٌ طَالعٌ ***** وإِذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَرِيقْ

وإذا الدُّنيا كما نعرفُها ***** وإذَا الأحْبَابُ كلٌّ في طَريق


****

هاتِ أسعدْني وَدَعْني أسْعدُكْ ***** قَدْ دَنا بعدَ التَّنائي موردُكْ

فأذقنيه فإِني ذاهِبٌ ***** لا غدي يُرجَى ولا يُرجَى غدُكْ

وابلائي من لياليَّ التي ***** قرَّبَتْ حَيْني وراحَتْ تبعِدُكْ!!

لا تَدَعْني للَّيالي فغداً ***** تجْرَحُ الفُرْقةُ ما تأسو يَدُكْ!

****

أزف البين وقد حان الذّهابْ ***** هذه اللَّحظةُ قَدَّت مِن عَذَابْ

أزف البين، وهل كان النَّوى ***** يا حبيبي غير أن أغْلق بابْ ؟!

مَضت الشّمْش فأمسيت وقد ***** أغلقت دونيَ أبوابُ السَّحابْ

وتلفَّتُّ على آثارِهَا ***** أسْألُ اللَّيْل! ومَنْ لي بالجوابْ؟!



ل


*** الزائــــــــــــر ***


يا للحبيبِ المفدَّى ***** غداةُ زار وسلَّمْ

مستَحيياً والهوى في ***** ركابه يتضرَّمْ

وصامتاً وهو أيكٌ ***** بألفِ شدوٍ ترنَّمْ

ناداه قلبي! وناجاه ***** خاطري! وهو يعلَمْ!

يا مطلعَ السحر والنور ***** والجمال! تكَلَّمْ!

أبِنْ! وإلا أعنْ قلبي ***** الممزَّقَ وارحَمْ!

يا غازياً يضرب القلب ***** وهو حصنٌ مُحَطَّمْ

لمَّا طلعت عليه ***** وهَى وأَنَّ وسلَّمْ

يا فتنة تتهادى ***** ورحمة تتبسَّمْ

إن لم يكن لي رجاءٌ ***** ولا لحظيَ مغنمْ

أو لَمْ يعُدْ لي نصيبٌ ***** دعني بحسنك أحلمْ!



ل

*** الليـــــــــالي ***


مكانيَ الهادئ البعيدْ ***** كُن لي مجيراً من الأنامْ
قد أمَّكَ الهاربُ الطريدْ ***** فآوهِ أنتَ والظلامْ

***

يا حسنها ساعة انفصالْ ***** لا ضنك فيها ولا نكدْ
يا حقبةَ الوهم والخيالْ ***** هلاَّ تمهلتِ للأبدْ!

***

يا أيها العالم الأخير ***** ماذا ترى فيك من نصيبْ؟
أراحةٌ فيك للضمير ***** أم موعدٌ فيك من حبيبْ؟

***

كم يَعذُب الموت لو نراهُ ***** أو كان فيك اللقاءُ يُرجى
ينفض عن عينه كراهُ ***** ويقبل الراقدُ المسجَّى!\

***

لكن شكّاً بما تجنْ ***** خيّم فوق العقول جمعَا
عجبتُ للمرءِ كم يئنْ ***** ويستطيبُ الحياةَ مَرعَى

***

قد صار حبُّ الحياة منا ***** يقنع بالجيفة السباعْ
وعلم السمحَ أن يضنَّا ***** وثبَّت الجبن في الطباعْ!

***

طال بنا الصمت والجمودْ ***** لا البدر يوحي ولا الغديرْ
يا عالم الضيم والقيودْ ***** برَّحت بالطائر الأسيرْ!

***

هربتُ من عالمٍ أضرَّا ***** وجئتُ يا كعبتي أزورْ
هاتي خيالاً إذن وشعراً ***** أسكبه في فم الدهورْ!

***

هربتُ من عالم الشقاءْ ***** وجئت عليّ لديكِ أحيا!
أشرب من روعة السماءْ ***** شعراً وأسقي الفؤادَ وحيا!

***

مللتُ في هاته العوالمْ ***** مهزلةَ الموت والحياةْ
وصورة القيد في المعَاصمْ ***** ووصمةَ الذلّ في الجباهْ

***

هياكلٌ تعبرُ السنينْ ***** واحدةُ العيش والنظامْ
واحدة السخط والأنينْ ***** احدة الحقد والخصامْ!

***

وواحد ذلك الطلاء ***** يسترُ خزياً من الطباعْ
أفنى البلى أوجه الرياءْ ***** ولم يذُبْ ذلك القناع!

***

بعينها كذبةُ الدموعْ ***** بعينها ضحكةُ الخداعْ
ومُنحنَى هاته الضلوعْ ***** على صوادٍ بها جياعْ!

***

كأن صدر الظلام ضاقْ ***** من كَثرةِ البثّ كل حينْ!
يا ويحه كيف قد أطاقْ ***** شكوى البرايا على السنينْ؟!

***

كأنما ينفث الشهبْ ***** تخفيف كربٍ يئنّ منهُ
كالقلب إن ضاق واكتأبْ ***** تخفف الذكريات عنهُ

***

كم زفرة في الضلوع قرّتْ ***** يحوطها هيكلٌ مريض
مبيدة حيثما استقرت ***** فان نبُحْ سمِّيت قريضْ!

***

كم في الدجى آهةٌ تطول ***** تسري إلى أذنه وشعرْ!
لو يفهم النجمُ ما نقول! ***** أو يفهم الليلُ ما نُسرْ!

***

ما بالها أعين الفلك ***** منتثرات على الفضاءْ
تطل من قاتمِ الحلك ***** بغيرك فهمٍ ولا ذكاءْ!

***

ألا وفيّ ألا معين ***** في مدلهم بلا صباح؟!
وكلّما جَدَّ لي أنينْ ***** تسخر بي أنَّةُ الرياحْ!

***

هبنا شكونا بلا انقطاعْ ***** ما حظ شاكٍ بلا سميعْ
وحظ شعرٍ إذا أطاعْ ***** يا ليته عاش لا يطيع

***

يضيع في لجة الزمنْ ***** مبدداً في الورى صداهْ
ولن ترى في الوجودِ مَنْ ***** يدري عذاب الذي تلاهْ!

***

يا أيها النهر بي حسدْ ***** لكل جارٍ عليك رفّ
أكُلُّ راجٍ كما يودْ ***** يروي ظماه ويرتشفْ

***

ومن حبيب إلى حبيبْ ***** ترنو حناناً وتبتسمْ
وكل غادٍ له نصيبْ ***** من مائك البارد الشبمْ

***

يا نهرُ روّيتَ كل ظامي ***** فراح ريّان إن يذُقْ
فكن رحيماً على أوامي ***** فلي فمٌ بات يحترقْ
***

يا نهر لي جذوة بجنبي ***** هادئة الجمرِ بالنهارْ
فإن دنا الليل برّحت بي ***** وساكن الليل كم أثارْ

***

وقفت حرّان في إِزائكْ ***** فهل ترى منك مسعدُ؟
وددت ألقي بها لمائكْ ***** لعلها فيك تبردُ

***

عالج لظاها فإن سكنْ ***** فرحمةٌ منك لا تحدْ
وإن عصت نارها فكن ***** قبراً لها آخر الأبدْ!

***

ترينيَ الهاجر الشتيتْ ***** وقربه ليس لي ببالْ
وكلّما خلتني نسيتْ ***** مَرَّ أمامي له خيالْ

***

تمر ذكرى وراء ذكرى ***** وكل ذكرى لها دموعْ
وتعبر المشجيات تترى ***** من كل ماضٍ بلا رجوعْ

***

ماضٍ وكم فيه من عثارْ ***** ومن عذابٍ قد انقضى
كم قلت لا يرفع الستارْ ***** ولا ادكارٌ لما مضى!

***

يا من أرى الآن نصب عيني ***** خياَله عطَّر النسمْ
بالله ما تبتغيه مني ***** ولم تدع لي سوى الألَمْ

***

في ذمة الله ما أضعتمْ ***** من مهجٍ أصبحت هباءْ
لم نجزكم بالذي صنعتمْ ***** إنَّا غفرنا لمن أساءْ

***

لا تحسبوا البرء قد ألَمّ ***** فلم يزل جرحنا جديدا
يخدعنا أنّه التأمْ ***** ولم يزل يخبأ الصديدا!

***

يا أيها الليل جئتٌ أبكي ***** وجئتُ أسلو وجئت أنسى
طال عذابي! وطال شكي ***** ومات قلبي، وما تأسَّى!


X